ابن قيم الجوزية

75

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

بغضهم ومعاداتهم لهم ، فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة والمذكى ، وهذا شأن أهل الباطل ، وإنما يسوون بين ما فرق الشرع والعقل والفطرة بينه ، ويفرقون بين ما سوّى اللّه ورسوله بينه . الفرق الثاني : أن الأوثان حجارة غير مكلّفة ولا ناطقة ، فإذا حصبت بها جهنم إهانة لها ولعابديها ، لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة والمسيح وعزير ، فإنهم أحياء ناطقون ، فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا لهم . الثالث : أنّ من عبد هؤلاء بزعمه ، فإنه لم يعبدهم في الحقيقة ، فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم ، وإنما عبد المشركون الشياطين ، وتوهموا أن العبادة لهؤلاء ؛ فإنهم عبدوا - بزعمهم - من ادعى أنه معبود مع اللّه ، وأنه معه إله ، وقد برّأ اللّه سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك ، وإنما ادعى ذلك الشياطين ، وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع اللّه ، ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ، ولهذا قال سبحانه وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) [ سبأ ] وقال تعالى * أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ( 60 ) [ يس ] وقال تعالى وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) [ الأنبياء ] . فما عبد غير اللّه إلا الشيطان ، وهذه الأجوبة منتزعة من قوله إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ( 101 ) [ الأنبياء ] فتأمل الآية ، فتجدها تلوح في صفحات ألفاظها ، وباللّه التوفيق .